Arab Wall
من روحانية الصوم في التقليد السرياني
- Dettagli
- Creato: 30 Marzo 2012
- Hits: 2085
بقلم الأب الياس شخطورة الأنطوني
الفاتيكان، الأربعاء 28 مارس 2012 (ZENIT.org). - الصيام عادة دينيّة قديمة موجودة عند جميع الديانات، وليس وقفاً على الديانة المسيحية وحدها. والإمتناع عن الأكل، الذي هو حاجة بشرية أساسية، لمدة محدّدة، له أسباب متنوعة، فهو يهيئ للإحتفال بالعيد، ويساعد على ضبط النفس وعلى الصلاة، كما أنه ينقّي من التجاوزات ومن الخطايا المقترفة. واقعياً وفي أيامنا الحاضرة، إن الصوم هو الركن الأقل تطبيقا وممارسة في حياة المؤمن المسيحي وفي الكنيسة، في الغرب أكثر منه في الشرق. الصعوبة تكمن في عيشه والإلتزام به، إمّا لأنه يتطلب جهاد أكثر على مستويات عدة، أم لأنه يَمَسُّ خاصة وبشكل جذري أحاسيس جسدنا ورغائبه وحاجاته، التي تَعوَّدنا يومياً على إرضاءها بانتظام ودون تردد.
زمن الصوم الأربعيني زمن نبدأه بالتوشح بالرماد على جباهنا، تذكيرا بماهيتنا وجذورنا الترابية، وينتهي بعرس فرح قيامة ربنا، منتصرا على الموت والخطيئة، مرورا بآلامه الخلاصية. إنه زمنٌ خارج عن نطاق مسيرة الانسان العادية والطبيعية في مراحل نموه الجسدية والروحية، يظهر وكأنه دعوة إلهية موجهة للإنسان الى إستئصالِ حاجةِ جسده من غذاء وطعام، وسدِ عوزِ رغباتِه الشهوانية والحسية.
من هذا المنطلق نطرح السؤال: أبِحرمان الجسد من حاجاته ورغباته تتوطد علاقة الانسان بخالقه، وبذلك يلبي واجبه البنوي لله ؟ أهذه فعلا غاية الله في دعوته لنا؟ والى ماذا يصبو عملياً من خلال الصوم؟
أفكار وتساؤلات عديدة طرحتها الجماعة المسيحية في العصور الأولى ومازلنا اليوم نحاول فهم غاية الله من كل ذلك، فهنالك من يجد الأعذار المتنوعة للتهرب من الإجابة على طلب الله، وآخرون من يضعون أسسا وأطراً للصوم تناسب نمط عيشهم، بحسب طاقاتهم وقدرتهم على تحمل وطأته وعبئه، دون مراعاة تعليمات وتوجيهات الكنيسة المُلزمة والمُسَهِّلة في آن معا على عيشه وتطوير مفاعيله الانسانية والروحية في حياة المؤمن والكنيسة. لذا سنحاول في دراستنا هذه فهم ماهية وأبعاد الصوم في التراث السرياني، من جهة اولى، انطلاقا من حاجة الانسان الجسدية، اي الطعام، ومن جهة أخرى من المفهوم الروحي الذي يُرَقّي الصائم جسديا وروحيا الى المصافي العُلوية، ومدى أهميته في حياتنا المسيحية عامةً، والرهبانية والكهنوتية خاصة
--
بقلم الأب الياس شخطورة الأنطوني
الفاتيكان، الخميس 29 مارس 2012 (ZENIT.org). - أول ما يرد الى ذهننا عندما نأتي على ذكر الصوم والطعام، هو المعنى المضاد لهاتين الحالتين، إذ أنَّ الصوم في مفهومه العام، هو الانقطاع عن الطعام. فماذا هو عملياً دور الطعام، بالإنقطاع عنه والمشاركة به؟
لا يمكننا غض النظر عن حسنات الطعام، عن فوائده وعن مساهمته الفعَّالة في بناء وتطوير هيكل الإنسان. بالإضافة الى كونه عنصرا اساسيا لا غنى عنه في الغذاء والنمو الجسدي، فهو أيضا رمز في بناء العلاقات ما بين الأفراد للتعبير عن نية جمعهم وتوحيدهم، إذ يُشكّل المكان الذي فيه يُعبِّر الإنسان عن رغبته في لقاء الآخر والتواصل معه. والصوم في مفهومه العام -الإمتناع عن الطعام- يهدف الى التصدي لِلذَّة التي يؤمّنها الطعام ذاته، بهدف الترفُّع الى ما هو أسمى من المادة، بالروح والجسد، فيصبح الصوم حينها عاملَ إضعافِ اللذةِ الترابية، مُقوّياً للمعرفةِ الروحية والعقلية معاً كي تصبح شاملة، قوةً لإماتة الأنانية، وعنصرَ تحجيم للرغبة الذاتية. كل ذلك بهدف نمو الرؤية الداخلية، المسمّاة بالروحية.
بالنسبة لمار أفرام، الإنسان هو إتحاد الروح بالجسد، مبدأ واحد، هيكليةٌ أساس للطبيعة البشرية، لا يمكن الفصل بينهما. فالروح هي عروس الجسد، والجسد هو الخِدر الزوجي للروح، إنّهما أداة واحدة تجعل الإنسان مترابطاً مع الآخر وبعلاقة معه. أما الفرق فيظهر في دور كل واحد منهما. يقول أفرام: "يؤدي الجسد لك الشكر، يا سيد، لأنك خلقته مسكنا لك؛ والروح تعبدك، لأنك خطبتها عند مجيئك". وفي كلامه عن الإفخارستيا يقول: "إن الخبز الروحي يُحلِّق ويطير، كذلك الشعوبُ يطيرون مرتفعين إلى الفردوس، حيثما يوجد جسد آدم الثاني"؛ هذه دلالة واضحة على أن كل من يأكل جسد الرب، يلتقي به حيثما وجد. إذن، إن الجسد هو الإنسان بكامله، والجسد والروح هما في إتحاد كامل ووثيق. فالجسد يَضعَفُ ويذبُلُ عندما يحاول أن يجعل من ذاته محوراً وركيزة لوجوده وجوهره، ليكون مصدرَ كلِّ شيء؛ بيد أن هذا ليس إلاّ دليلاً على فشله وضعفه.
الجسد هو "حلة المجد" وهذه العبارة بحد ذاتها تشكّل عامودَ أساسٍ في تعليم أفرام، إذ يأتي على ذكرها مرارا في أناشيده، خاصة في أناشيد الميلاد، كالنشيد 23 إذ يقول: "قام بكل ذلك الحنّان: تعرّى من المجد ولبس الجسد - حلة المجد - لأنه كوّن وسيلة ليرجع آدمُ إلى حالته الأولى التي أضاعها وتعرّى منها".
حلّةُ المجد، أهي حلةٌ خارجيةٌ يكسو بها آدم عاره أم هي مجرّد رمزية؟ إن سقوط آدم ورفضه للملكوت، دفع بالإبن بالتخلي عن ملكوته، ليلبس الجسد، حلّة مجده. بحسب أفرام، لا يمكننا إهمال الجسد، لأن الله بذاته حلّ فيه، إنه المسكن الذي يحل الإنسان فيه ويميزه عن سائر المخلوقات. إنه مكان لقائي بالآخر، إنه تعبير عن حضوري للآخر والآخر لي، حقيقةُ تواصل، مرآةُ الآخر فيّ، صورة الله في الإنسان
© www.zenit.org - march 29th 2012